عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
475
اللباب في علوم الكتاب
الخطاب إلى الغيبة ؛ كقوله تعالى : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [ يونس : 22 ] ، قال شهاب الدين : ولا ضرورة تدعو إلى ذلك . فإن قيل : لما قال « تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ » فهم منه عدم الظلم ، فيكون قوله : « وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » من باب التكرير . فالجواب : أنه تعالى لما قال « تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ » دلّ على إيصال العذاب إلى الكفار والفسّاق ، فكان لقائل أن يقول : كيف يليق بأكرم الأكرمين تعذيب عبيده ؟ فأجاب بقوله « وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » والمعنى : أن العبد هو الذي ورط نفسه ؛ لأن اللّه تعالى مكّنه ، وأزاح عذره ، فهو الذي أساء إلى نفسه . وهذا الجواب إنّما يستقيم على أصول المعتزلة ، وأمّا على أصولنا ، فاللّه سبحانه مالك الخلق ، يتصرف في ملكه كيف شاء ، وأراد ؛ فلا يكون ظلما . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 282 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 282 ) في كيفية النظم وجهان : الأول : أنّ تعالى لمّا ذكر الإنفاق في سبيل اللّه ، وهو يوجب تنقيص المال ، وذكر الرّبا ، وهو - أيضا - سبب تنقيص المال ، وختم هذين الحكمين بالتهديد بقوله « وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ » والتقوى تسدّ على الإنسان أكثر أبواب المكاسب ، والمنافع - أتبع ذلك بأن ندبه إلى كيفية حفظ المال الحلال ، وصونه عن الفساد ، فإن القدرة على الإنفاق في سبيل اللّه ، وعلى ترك الرّبا ، وعلى ملازمة التقوى ، لا يتم إلّا عند حصول المال ؛ فلأجل هذا بالغ في الوصيّة بحفظ المال ، ونظيره وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً [ النساء : 5 ] فحثّ على الاحتياط في أمر الأموال ؛ لكونها سببا لمصالح المعاش والمعاد .